محمد بن علي الشوكاني

2458

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

ومنهم ( 1 ) من قال : الآلهة ثلاثة : فصالح ، وطالح ، وعدل بينهما . ومنهم ( 2 ) من قال : الابن مولود من الأب قبل كل الدهور ، غير مخلوق ، وهو من جوهره ونوره ، وأن الابن اتخذ بالإنسان المأخوذ من مريم فصارا واحدًا وهو المسيح . إلى ذلك من الاختلافات المنسوب كل واحد منها إلى طائفة منهم . ثم كان يحدث في كل عصر قول يقوله بعض أساقفتهم أو بطاركتهم ، فيشبع ذلك فيهم ، ثم يجتمعون لأجله من جميع الأمكنة التي بها النصارى ، فيبعثون من فيهم من الأساقفة والبطاركة فعند الاجتماع يختلفون ويضلل بعضهم بعضًا . وقل أن يجتمعوا مجمعًا إلا ويتفرقون على خلاف بينهم من دون اتفاق . وإذا نظر من يفهم إلى أقوالهم المتحددة ومذاهبهم المختلفة وجد ذلك مستندًا إلى قضايا عقلية تختلف فيها العقول غاية الاختلاف ، ولم يكن ذلك [ 2 ب ] مستندًا إلى ما في الإنجيل ، ولا إلى ما قاله المسيح - عليه السلام - ، فما زالوا في تباين واختلاف يقتل بعضهم بعضًا ، ويعادي بعضهم بعضًا . وكان من يتقرب منهم إلى ملوك النصارى يحسن له ما يذهب إليه فيحل بمن خالفه السيف ، وينزل به الهلاك . ولا يخلو من ذلك عصر من العصور منذ وقع الخلاف بعد انقراض عصر الحواريين ، وهكذا ما زالوا بعد ظهور الملة الإسلامية - كثر الله عدادها ، ونصرها على من خالفها - وجملة مذاهبهم التي استقرت خمسة : مذهب الملكانية ( 3 ) وهم يقولون : إن معبودهم ثلاثة أقانيم ، وهي إقنيم الأب ،

--> ( 1 ) ذكره أبو زهرة في محاضرات في النصرانية ( ص 152 ) . ( 2 ) انظر المصدر السابق . ( 3 ) قال الشهرستاني في « الملل والنحل » ( 1 / 266 ) : هم أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم واستولى عليها . وقيل أن ذلك خطأ . . . وإنما هي الملكية نسبة إلى المذهب الذي اعتنقه ملوك الرومان النصارى وهو : أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين في أقنوم واحد . وقد مر هذا المذهب بعدة مراحل ، حيث بدأ إقراره في مجمع نيقية سنة 325 م بتأييد الملك قسطنطين لمذهب تعدد الآلهة واعتبار المسيح ابنًا وإلهًا مستقلاً ، ثم في مجمع القسطنطينية الأول سنة 381 م ، تحددت هوية الثالوث النصراني بالأب والابن في المسيح طبيعتين - خلافًا لليعقوبية - وحيث إن الذي دعا إلى هذا المجمع هو الملك ( الإمبراطور ) الروماني وتأييده لمذهب ازدواج الطبيعتين فقد أطلق عليه المذهب الملكي أو الملكاني . ثم أضيف إلى هذا المذهب القول بأن المسيح له طبيعتان ومشيئتان في مجمع القسطنطينية الثالث سنة 680 م خلافًا للمارونية القائلين بأن المسيح له طبيعتان ومشيئة واحدة . وظلت الطوائف القائلة بمذهب الملكية ( بالطبيعتين والمشيئتين ) متفقة في آرائها إلى أن دب الخلاف بينها بشأن انبثاق روح القدس ، أكان من الأب وحده ؟ أم من الأب والابن معًا ؟ ولأجل ذلك عقد مجمع القسطنطينية الرابع سنة 869 م ونتج عنه انفصال الكنيسة الشرقية رئاسة ومذهبًا واسمًا عن الكنيسة الغربية ( مذهب الملكية ) حيث أصبحت الكنيسة الشرقية تسمى بكنيسة الروم الأرثوذكسية أو اليونانية ، وأتباعها يعتقدون بأن روح القدس منبثق عن الأب وحده ، وأكثرهم في الشرق باليونان وتركيا وروسيا ، وغيرها ، ولهم بطاركة أربعة : 1 - بطريرك القسطنطينية وهو كبيرهم . 2 - بطريرك الإسكندرية للروم الأرثوذكس . 3 - بطريرك أنطاكية . 4 - بطريرك أورشليم - القدس - ، كما تميزوا باعتقادهم أن الإله الأب أفضل من الإله الابن ، وتحريم الدم والمنخنقة وإيجاب استخدام الخبز في العشاء الرباني وغير ذلك . أما الكنيسة الغربية اللاتينية فتسمى بالكنيسة البطرسية - نسبة إلى بطرس رئيس الحواريين - الكاثوليكية ( نسبة إلى كاثوليك وهي كلمة يونانية ومعناها العالمي أو العام ، وهو اصطلاح استخدمته الكنيسة في القرن الثاني الميلادي ) ويرأسها البابا بالفاتيكان في روما ، ويعتقد أتباعها أن الروح القدس منبثق عن الأب معًا ، وبالمساواة الكاملة بين الأب والابن ، وإباحة الدم والمنخنقة واستخدام الفطير بدلاً من الخبز في العشاء الرباني ، وتتميز الكنيسة الكاثوليكية بعدة سمات بارزة منها : استعمال اللغة اللاتينية ، والبخور ، واتخاذ الأيقونات والمصورات البارزة التقويم الخاص وغير ذلك ، وينتشر أتباعها في معظم بلاد العالم لما لها من النفوذ والمال . ثم حدث انشقاق آخر بداخل الكنيسة الكاثوليكية عندما ظهر دعاة الإصلاح الكنسي في أوائل القرن ( 16 م ) بتخليص الكنيسة من مظاهر الفساد ، ومن أبز هؤلاء الدعاة : مارتن لوثر الألماني سنة 1546 م ، وزونجلي السويسري سنة 1531 م ، وكلفن الفرنسي سنة 1564 م ، الذين احتجوا على فساد الكنيسة ، فسمي مذهبهم ( بالبروتستانتية ) أي المحتجين ، وقد سموا أنفسهم ( بالإنجليين ) وعلى كنيستهم ( الكنيسة الإنجيلية ) لدعواهم أنهم يتبعون الإنجيل ويفهمونه بأنفسهم دون الحاجة إلى البابوات ، ومن أبرز مبادئهم : إبطال الرئاسة في الدين ، وصكوك الغفران والرهبنة ، وتحريم التماثيل والصور في الكنيسة ، وأن الخبز والخمر في العشاء الربان لا يتحولان إلى لحم المسيح ودمه ، وإنما هو وسيلة رمزية وينتشر أتباعهم في ألمانيا وإنجلترا وأمريكا الشمالية وغيرها . وعندما ظهرت الحاجة إلى توحيد صف النصارى وجمع كلمتهم عقد في سنة 1563 م ، مجمع ( مؤتمر ) عالمي في الفاتيكان بدعوة من البابا يوحنا الثالث والعشرين لأجل تحقيق الوحدة الدينية بين المذاهب النصرانية المختلفة , فتساهلت بذلك الكنائس والمذاهب النصرانية المختلفة في الاعتراف للكنيسة الكاثوليكية بالتقدم عليها في الرئاسة لا بالسلطان . ويزعم أتباع هذا المذهب أن الآلهة ثلاثة متميزون ومنفصلون : الأب ، والابن ، والروح القدس ، ومع ذلك فهم شيء واحد في الطبيعة والذات ، ويزعمون أن الكلمة ( وهي أقنوم العلم وهي الابن ) قد اتحدت بجسد المسيح ، وأن مريم قد ولدت الإله والإنسان وأنهما شيء واحد ، وأن الموت والصلب وقع على اللاهوت والناسوت معًا ، وإليهم أشار القرآن بقوله تعالى : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ } [ المائدة : 73 ] . انظر مزيد تفصيل : « الملل والنحل » ( 1 / 222 - 224 ) ، « النصرانية » ( ص 130 - 134 ) الطهطاوي .